في قراءة نقدية لواقع السياسات الاقتصادية، يشير الكاتب محمد تيسير طرقجي إلى معضلة بنيوية: لا يمكن لأي حكومة أن تنجح اقتصادياً إن كانت تنتقل يومياً بين نموذجين متناقضين — يوم تتحدث عن اقتصاد مفتوح وانفتاح على العالم، وفي اليوم التالي تعود لعقلية الإغلاق والمنع والحماية غير المحدودة. رأس المال، كما يؤكد طرقجي، يخاف من الضبابية وغياب الاتجاه الواضح أكثر مما يخاف من التحديات نفسها.
إنهاء عصر القوالب الجامدة
انطلاقاً من هذا التشخيص، تُطرح نظرية “الرأسماكية” كإطار يفسر معجزات النهوض الاقتصادي في الصين واليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة، دون الحاجة للاختيار بين اشتراكية منغلقة كلياً أو رأسمالية منفلتة تترك مقدرات الشعوب لعشوائية السوق الحرة.
الفلسفة: يد السوق ويد الدولة معاً
تقوم النظرية على شقّين: قوة القطاع الخاص في إدارة الإنتاج والتنافسية والابتكار بحرية كاملة، مقابل تدخل دقيق وموجّه من الدولة لا يقف موقف المتفرج، بل يتولى بناء “بذور ومكونات الصناعة الأساسية” التي يعجز القطاع الخاص عن تمويلها أو يتردد فيها بحثاً عن ربح سريع.
الآلية التنفيذية: تأسيس سيادي ثم خصخصة جزئية
تبدأ الدولة بإقامة خطوط الإنتاج، وبعد وصولها لمرحلة الاستقرار تبيع 50% منها للقطاع الخاص لإدخال المرونة والتنافسية، بينما تحتفظ بـ50% كحصانة سيادية. هذه الحصة السيادية تتيح للدولة التدخل الفوري في أوقات إغراق السوق بمنتجات مستوردة منافسة، أو عند الحاجة لتوسع أو نقص سيولة — وهو ما يُقدَّم كتفسير رئيسي لصمود المصانع الصينية أمام الأزمات التي أغلقت مثيلاتها في عشرات الدول النامية.
رأي: محمد تيسير طرقجي
الأسوأ اقتصادياً ليس القرار الصعب، بل غياب الاتجاه الواضح. سوريا اليوم لا تحتاج فقط إلى قرارات، بل تحتاج أولاً إلى وضوح فكري اقتصادي: ما هو النموذج الذي نريد بناءه فعلاً؟ وعندما يتم الاتفاق عليه، يجب أن تعمل كل مؤسسات الدولة ضمن الاتجاه نفسه، لا أن تبقى وزارة تتحدث عن المنافسة وأخرى تمارس الإغلاق.
محمد تيسير طرقجي
لا تترك الدولة القطاع الصناعي ضحية لعشوائية السوق ونقص التمويل، بل ترسم خريطة الطريق وتتحول إلى شريك وحامٍ للمستثمر الوطني.
محمد تيسير طرقجي

