كل دولة اشتراكية أرادت التطور والرقي ومواكبة الحضارة العالمية انتهى بها المطاف إلى نقطة واحدة: التخلي عن الاشتراكية والتحول إلى الرأسمالية والاقتصاد الحر. هذا ليس رأياً عابراً، بل خلاصة تجربة نصف قرن عاشتها عشرات الدول التي راهنت على “الاقتصاد الموجّه” فخسرت الرهان، بينما حوّلت دول أخرى — يابانية وكورية وألمانية وحتى صينية بصيغتها الخاصة — مهمة الدولة من “المالك والمُنتِج” إلى “الرقيب والحامي”.
الوهم الذي دفعنا ثمنه عقوداً
الفكرة التي رُوّجت لأجيال متعاقبة في المنطقة كانت أن الدولة يجب أن تملك كل شيء: المصنع، والمزرعة، والمتجر، وحتى القرار الاقتصادي للأسرة. وبُنيت على هذه الفكرة شعارات كبرى عن “العدالة الاجتماعية” و”التحرر الاقتصادي”، بينما كانت النتيجة الفعلية على الأرض تضخماً متصاعداً، وقطاعاً خاصاً مكبّلاً بالتأميم والتسعير الإجباري، وجيلاً كاملاً من رجال الأعمال إما هاجر أو تحوّل من منتج إلى وسيط يبحث عن رضا الجهات الرسمية بدل رضا السوق.
ماذا فعلت الدول التي نجحت؟
المفارقة أن الدول التي قفزت اقتصادياً — من كوريا الجنوبية إلى الصين نفسها بعد إصلاحات دنغ شياو بينغ — لم تفعل ذلك بمزيد من التأميم، بل بالعكس تماماً: فتحت الباب للملكية الخاصة، وحصرت دور الدولة في الرقابة، وحماية حقوق الملكية، وضبط السوق من الاحتكار والغش، لا في إدارة كل مصنع ومتجر بنفسها. الدولة التي تراقب وتحمي هي دولة تنمو معها الثروة الوطنية؛ أما الدولة التي تملك وتدير كل شيء فهي دولة تتحول الثروة فيها إلى ريع سياسي بدل أن تكون قيمة مضافة حقيقية.
الفاتورة التي دفعناها كمنطقة
حين قارنّا في مقالات سابقة بين راتب الفرد الكوري والمصري عام 1950 — حين كان راتب المصري ضعف نظيره الكوري — وبين واقع اليوم حيث تجاوز الفارق العشرات من المرات لصالح كوريا، لا يمكن فصل هذه النتيجة عن اختيار النموذج الاقتصادي. الدول التي تخلّت مبكراً عن الشعارات الاشتراكية وتبنّت اقتصاد السوق مع دولة رقابية قوية هي نفسها الدول التي نراها اليوم في صدارة الاقتصاد العالمي، بينما بقيت الدول التي تمسّكت بالنموذج الموجّه تراوح مكانها لعقود.
الخلاصة
سوريا اليوم أمام فرصة حقيقية لحسم هذا الجدل نهائياً: إما الاستمرار في عقلية “الدولة المالكة” التي أثبتت فشلها لعقود، أو التحول الحاسم نحو نموذج تُطلق فيه يد القطاع الخاص للإنتاج والمنافسة، بينما تتفرغ الدولة لمهمتها الحقيقية: حماية الملكية، وضبط السوق، وصون العملة الوطنية. التجربة أثبتت أن التمسك بالشعارات القديمة لم يعُد خياراً تتحمله دولة خارجة من حرب طويلة، وأن كل يوم تأخير في حسم هذا الاختيار هو يوم إضافي يُضاف إلى فاتورة العقود الضائعة.
“كل دول الاشتراكية عندما أرادت التطور والرقي ومواكبة الحضارة العالمية، كفرت بالاشتراكية وتحولت إلى الرأسمالية والاقتصاد الحر.”

