يدخل العالم المعاصر اليوم جيلاً جديداً من التطور التقني قائماً على السلام والتفاهم، غير أن قراءة الواقع الجيوسياسي لبلاد الشام تتطلب حكمة استثنائية لمنع وقوع كوارث معيشية ومالية وشيكة. هذه القراءة تستحضر درساً تاريخياً قاسياً من الحرب العالمية الثانية لتحذّر من ثمن أي انزلاق نحو التصعيد الإقليمي.
حصار استمر 872 يوماً: حصاد الأرواح
لم يكن حصار لينينغراد (سبتمبر 1941 – يناير 1944) مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل محرقة بشرية التهمت أكثر من 2 مليون ضحية. من الجانب السوفيتي، قُتل وفُقد وأُصيب نحو مليون جندي، إضافة إلى سقوط ما بين 800 ألف ومليون مدني — والصادم أن 97% منهم ماتوا جوعاً وبرداً لا قصفاً مباشراً. من جانب دول المحور، بلغت الخسائر نحو 580 ألف جندي.
التكلفة المالية بمعادلة اليوم
بلغت الخسائر المادية المباشرة لتدمير لينينغراد وحدها بين 45 و50 مليار دولار بمعادلة القوة الشرائية اليوم، بينما تجاوزت الكلفة الشاملة للدمار والإنفاق العسكري على الجبهة الشرقية عند حسابها بأسعار اليوم حاجز 3.5 إلى 4 تريليون دولار — رقم فلكي يوضح أن الحروب هي المقبرة الأولى لثروات الأمم.
تفاصيل مرعبة: 125 غراماً من الخبز
في شتاء 1941–1942، انخفضت الحرارة إلى 40 درجة تحت الصفر، وتجمدت شبكات المياه، واضطر السكان لإحراق الكتب والأثاث للتدفئة. هبطت الحصة اليومية للمواطن إلى 125 غراماً من الخبز فقط، مخلوطاً بنشارة الخشب. المتنفس الوحيد كان “طريق الحياة” عبر بحيرة لادوجا المتجمدة، حيث كانت الشاحنات تعبر تحت القصف لإدخال الطحين وإخراج الأطفال والمرضى.
التحذير المعاصر: سوريا وحرب الجوار
تحذّر الورقة من أن انخراط سوريا في نزاعات إقليمية متمددة — سواء عبر لبنان أو مضيق هرمز — سيجعل من دمشق والمدن السورية هدفاً مباشراً لضربات تنسف ما تبقى من شبكات الكهرباء والمطارات، في وقت يقع فيه أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر، وتعتمد الدولة على الاقتراض لسداد رواتب موظفيها.
الحل: مسؤولية الأمم المتحدة والدول الكبرى
تخلص الورقة إلى أن مسؤولية إيقاف هذه النزاعات — في لبنان أو أوكرانيا أو مضيق هرمز — لا تقع على عاتق دول مستنزفة اقتصادياً كسوريا، بل على عاتق هيئة الأمم المتحدة والدول الكبرى المسؤولة دولياً عن الأمن والسلام، عبر توجيه الجهد نحو العلم والزراعة المستدامة والصناعة بدل تكرار مآسي الحروب.
“الحروب لا تنتج منتصرين، بل تنتج فقط الدمار الفلكي للاقتصادات، وتلتهم أثمن ما تملك المجتمعات: الإنسان.”

