في لغة الأرقام التي لا تكذب، تحقق كوريا الجنوبية اليوم إنجازاً مذهلاً: لو قسمنا صادراتها السنوية (التي تجاوزت 700 مليار دولار) على عدد سكانها، لوجدنا أن نصيب الفرد من الصادرات يصل إلى 13,736 دولاراً. إسقاط هذا الرقم على سوريا يعني تلقائياً تحقيق متوسط دخل سنوي يقارب 3,300 دولار للمواطن.
فخ الدكاكين: المليار الضائع
تعاني سوريا، ومعها نحو 120 دولة نامية، مما يمكن تسميته “التوسع الخدمي العقيم”. يتركز استثمار أموال المغتربين اليوم في دكاكين ملابس وأحذية وتموينات وجوالات وكافيهات تضاعفت أعدادها بشكل مخيف — وهو نمط يستهلك السيولة في “تدوير المال داخلياً” دون خلق قيمة مضافة أو جلب عملة صعبة. تُقدَّر الخسارة السنوية بنحو مليار دولار (ربع إجمالي تحويلات المغتربين البالغة 4 مليارات).
معضلة التشتت الجغرافي
المشكلة ليست في رغبة المغترب بالاستثمار، بل في عجزه اللوجستي: فالمغتربون متفرقون في دول شتاتهم، ومن المستحيل أن يتداعوا تلقائياً لتأسيس مصانع كبرى أو إعداد دراسات جدوى معقدة — ما يفرض “الدكان الصغير” كخيار وحيد متاح رغم كونه استنزافياً.
الحل: العناقيد الصناعية المترابطة
الحل يقع على عاتق الدولة حصراً، عبر استراتيجية “العناقيد الصناعية” التي نهضت بها الصين وتايوان واليابان: مصانع رشيقة بمعدل 75 عاملاً للمنشأة، وتكامل صناعي كامل بدل استيراد المواد الأولية (مصانع خيوط تغذي مصانع أقمشة، ومصانع أزرار وكرتون تغذي مصانع الملابس الجاهزة للتصدير).
“سهم الدولار”: من معيل إلى شريك
بعد استقرار إنتاج هذه المصانع لعام واحد، تُطرح للاكتتاب العام بسعر دولار واحد للسهم — ما يمنح المغترب فرصة استثمار مدخراته في أصول إنتاجية رابحة بدل دكان خاسر، بينما يجمع الاقتصاد “فتات” المدخرات المشتتة في كتلة مالية ضخمة تزيد قدرة الدولة على التوسع التصديري.
التحول من دكان الحارة إلى خط الإنتاج هو طوق النجاة الوحيد لنصل بجدارة إلى هدف الـ13,700 دولار صادرات لكل فرد سوري.
محمد حسون

